ابن حزم
265
رسائل ابن حزم الأندلسي
عليه أمرها ، وخشي الفتنة فخرج إلى البصرة فمات عشقاً رحمه الله ، وكان فيما ذكر من الصالحين . حكاية لم أزل أسمعها عن بعض ملوك البرابر : أن رجلاً أندلسياً باع جارية كان يجد بها وجداً شديداً ، لفاقة أصابته ، من رجل من أهل ذلك البلد ، ولم يظن بائعها أن نفسه تتبعها ذلك التتبع ؛ فلما حصلت عند المشتري كادت نفس الأندلسي تخرج ، فأتى إلى الذي ابتاعها منه وحكمه في ماله أجم وفي نفسه ، فأبى عليه ، فتحمل عليه بأهل البلد فلم يسعف منهم أحد ، فكاد عقله ان يذهب ، ورأى أن يتصدى إلى الملك ، فتعرض له وصاح ، فسمعه فأمر بإدخاله ، والملك قاعد في علية له مشرفة عالية ، فوصل إليه ، فلما مثل بين يديه أخبره بقصته واسترحمه وتضرع إليه ، فرق له الملك ، فأمر بإحضار الرجل المبتاع فحضر ، فقال له : هذا رجل غريب وهو كما تراه ، وأنا شغفه إليك ، فأبى المبتاع وقال : أنا أشد حباً لها منه ، وأخشى إن صرفتها إليه أن أستغيث بك غداً وأنا في أسوأ من حالته ، فأذم ( 1 ) له الملك ومن حواليه من أموالهم ، فأبى ولج واعتذر بمحبته لها ، فلما طال المجلس ولم يروا منه البتة جنوحاً إلى الاسعاف قال للأندلسي : يا هذا ، مالك بيدي أكثر مما ترى ، وقد جهدت لك بأبلغ سعي ، وهو [ ذا ] تراه يعتذر بأنه فيها أحب منك وأنه يخشى على نفسه شراً أنت فيه ، فاصبر لما قضى الله عليك . فقال الأندلسي : فما لي بيدك حيلة قال له : وهل هاهنا غير الرغبة والبذل ما أستطيع لك أكثر . فلما يئس الأندلسي منها جمع يديه ورجليه وانصب من أعلى العلية إلى الأرض ، فارتاع الملك وصرخ ، فابتدر الغلمان من أسفل ، فقضي انه لم يتأذ في ذلك الوقوع كبير أذى ، فصعد به إلى الملك ، فقال : ماذا أردت بهذا فقال : أيها الملك ، لا سبيل إلى الحياة بعدها ، ثم هم أن يرمي نفسه ثانية ،
--> ( 1 ) أذموا له : أي تكفلوا له بشيء من أموالهم ؛ وعند بتروف : فرام ؛ وقرأها برشيه حسب المعنى : فرغبه .